محمود توفيق محمد سعد

174

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

ويحسن أن نستمع في هذا إلى كلمة " أبي سليمان حمد الخطابيّ ( ت 388 ) في هذه المسألة : " والقدر الذي يحتاج إلى ذكره هنا هو أن يعلم أنّ القرآن كان مجموعا كله في صدور الرجال أيام حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا ومؤلفا هذا التأليف الذي نشاهده ونقرؤه ، فلم يقع فيه تقديم ولا تأخير ولا زيادة ولا نقصان إلا سورة " براءة " كانت من أواخر ما نزل من القرآن لم يبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا موضعها من التأليف حتى خرج من الدنيا ، فقرنها الصحابة بالأنفال . وبيان ذلك في خبر " ابن عباس " قال : " قلت لعثمان ما حملكم على أن عمدتم إلى براءة وهي من المئين ، وإلى الأنفال وهي من المثاني ، فقرنتم بينهما ولم تجعلوا بينهما سطرا فيه بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموهما في السبع الطوال ؟ . . . . ( الحديث ( الترمذي : التفسير حديث : 3086 ) قلت : هذا يدلك على أنّ الجمع كان حاصلا والتأليف أيام حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا كان موجودا . . . . وقد ثبت أنّ أربعة من الصحابة كانوا جمعوا القرآن كله في زمان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا . . . وقد كان لهم في ذلك شركاء من الصحابة وإن كان هؤلاء أشدّ اشتهارا به وأكثر تجريدا للعناية بقراءته . . . . جمع القرآن كان متقدما لزمان أبي بكر رضي اللّه عنه ، وإنما جمع " أبو بكر " القرآن في الصحف والقراطيس وحوّله إلى ما بين الدّفتين شهرا له وإذاعة في زمانه وتخليدا لرسمه مستأنف الزمان ، وكان قبل في الأكتاف ورقاع الأدم والعسب وصفائح الحجارة ونحوها مما كانت تكتب العرب فيه من الظروف . ويشبه أن تكون العلّة في ترك النبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا جمع القرآن في مصحف واحد كما فعله من بعده من الصحابة أن النّسخ كان قد يرد على المنزل منه فيرفع الشيء بعد الشيء من تلاوته كما يرفع بعض أحكامه . . . . فلو كان قد جمع بين الدفتين كله وسارت به الركبان وتناقلته الأيدي في البقاع والبلدان ثم قد نسخ بعضه ورفعت تلاوته لأدّى ذلك إلى اختلاف أمر الدين ووجود الزيادة والنقصان فيه ، وأوشك أن تنتقض به الدّعوة ، وتتفرق فيه الكلمة ، وأن يجد الملحدون السبيل إلى الطعن عليه